فخر الدين الرازي

48

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عن الجهاد أمر منكر ، ولو لم يكن الجهاد واجبا لما كان هذا التثاقل منكرا ، وليس لقائل أن يقول الجهاد إنما يجب في الوقت الذي يخاف هجوم الكفار فيه ، لأنه عليه السلام ما كان يخاف هجوم الروم عليه ، ومع ذلك فقد أوجب الجهاد معهم ، ومنافع الجهاد مستقصاة في سورة آل عمران ، وأيضا هو واجب على الكفاية ، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين . المسألة الخامسة : لقائل أن يقول إن قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب مع كل المؤمنين . ثم قال : ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ وهذا يدل على أن كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف ، وذلك التثاقل معصية ، وهذا يدل على إطباق كل الأمة على المعصية وذلك يقدح في أن إجماع الأمة حجة . الجواب : أن خطاب الكل لإرادة البعض مجاز مشهور في القرآن ، وفي سائر أنواع الكلام كقوله : إياك أعني واسمعي يا جاره [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 39 ] إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما رغبهم في الآية الأولى في الجهاد بناء على الترغيب في ثواب الآخرة ، رغبهم في هذه الآية في الجهاد بناء على أنواع أخر من الأمور المقوية للدواعي ، وهي ثلاثة أنواع : الأول : قوله تعالى : يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً . واعلم أن يحتمل أن يكون المراد منه عذاب الدنيا ، وأن يكون المراد منه عذاب الآخرة . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : استنفر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم القوم فتثاقلوا ، فأمسك اللّه عنهم المطر . وقال الحسن : اللّه أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم . وقيل المراد منه عذاب الآخرة إذ الأليم لا يليق إلا به . وقيل إنه تهديد بكل الأقسام ، وهي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، وقطع منافع الدنيا ومنافع الآخرة . الثاني : قوله : وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ والمراد تنبيههم على أنه تعالى متكفل بنصره على أعدائه ، فإن سارعوا معه إلى الخروج حصلت النصرة بهم ، وإن تخلفوا وقعت النصرة بغيرهم ، وحصل العتبى لهم لئلا يتوهموا أن غلبة أعداء الدين وعز الإسلام لا يحصل إلا بهم ، وليس في النص دلالة على أن ذلك المعنى منهم ، ونظيره قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] ثم اختلف المفسرون فقال ابن عباس : هم التابعون وقال سعيد بن جبير : هم أبناء فارس . وقال أبو روق : هم أهل اليمن ، وهذه الوجوه ليست تفسيرا للآية ، لأن الآية ليس فيها إشعار بها ، بل حمل ذلك الكلام المطلق على صورة معينة شاهدوها . قال الأصم : معناه أن يخرجه من بين أظهركم ، وهي المدينة . قال القاضي : هذا ضعيف لأن اللفظ لا دلالة فيه على أنه عليه السلام ينقل من المدينة إلى غيرها ، فلا يمتنع أن يظهر اللّه في المدينة أقواما يعينونه على الغزو ، ولا يمتنع أن يعينه بأقوام من الملائكة أيضا حال كونه هناك ، والثالث : قوله : وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً والكناية في قول الحسن : راجعة إلى اللّه تعالى ، أي لا تضروا اللّه لأنه غني عن العالمين ، وفي قول الباقين يعود إلى الرسول ، أي لا